حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
25
شاهنامه ( الشاهنامه )
انتصف النهار سمع الإسكندر من إحدى الشجرتين صوتا أزعجه . فسأل الترجمان عما قالت فقال : إنها تقول : ما بال الإسكندر يجول في أقطار الأرض وقد استوفى نصيبه من العيش ، وعند استكمال أربع عشرة سنة من سلطانه يحين حين ارتحاله ؟ فبكى الإسكندر وامتلأ هما وحزنا ، وبقي واجما لا يتكلم إلى نصف الليل . فتكلمت الشجرة الأنثى . فسأله عما قالت فقال : إنها تقول : إنك تجول حول الأرض من حرصك ، ولم يبق إلا قليل من عمرك . فلا تتعب نفسك ولا تضيق عليها أمرك . فقال له الإسكندر : سلها هل تكون أمي حاضرة عند رأسي إذا أتاني أمر ربى ؟ فسألها عن ذلك . فقالت : شدّ رحالك وأقصر عن ظنك . فإنه لا تحضرك أمك ولا قرائبك ولا نساء بلدك . ولا تموت إلا غريبا في بلاد غيرك . فانصرف الإسكندر وقيْد القلب منخزل النفس نحو معسكره . فقدّم اليه أهل تلك المدينة جواشن ودروعا وتحفا كثيرة فيها مائة بيضة من الذهب وزن كل بيضة ستون مَنا ، وصورة كركدن من الذهب مرصعة بالجوهر . فقبل هداياهم ذهاب الإسكندر إلى بلاد الصين ولقائه بملكها بغبور وارتحل نحو الصين . فلما قرب منها نزل في عسكره واستحضر الكاتب فأمره وأن يكتب إلى بغبور كتابا مملوءا بالوعد والوعيد ، وختمه . واستصحب بعض ثقاته وأصحاب رأيه ، وركب منهم في خمسة فرسان حتى أتى ملك الصين في زىّ رسول . فلما وصل اليه أكرمه وأنزله في موضع يليق به . ثم لما كان من غده أنفذ اليه مركوبا خاصا بآلات الذهب واستحضره . فحضر وأدّى الرسالة ، ودعاه أن يبادر إلى خدمة الإسكندر ويسارع إلى حضرته . فإن لم يفعل ذلك فلينفذ اليه طرائف الصين من خيل وأسلحة وثياب وذهب وفضة ليصرفه بذلك عن أذاه . فضحك بغبور وسأله أن يصف له الإسكندر ، وينعت صورته وشكله ، ويصف مكارمه وسيرته . فاندفع الرسول يورد ذلك ويسرده . ثم إنه استحضر الطعام والشراب ، ولما ثملوا صرف الرسول وقال : سنجيب غدا عن رسالة صاحبك . فانصرف إلى منزله وهو بين الصاحي والسكران وبيده أترجة . ولما طلعت الشمس من غده ركب إلى حضرة بغبور فساءله ولاطفه . ثم استحضر الكاتب وأجاب عن كتاب الإسكندر . وفتح أبواب خزائنه وأخرج خمسين تاجر مرصعا الجواهر وعشرة تخوت من العاج ، وأوقر ألف جمل من الديباج والخز والحرير والكافور والمسك والعبير إلى غير ذلك من الذهبيات والفضيات وجلود السنجاب والقاقم والسمّور . ثم اختار رجلا من أكابر الصين موصوفا بالعقل والرأي ، ونفذه بكل ذلك في صحبة الرسول . فلما انتهى إلى ساحل البحر بادر الملاح فحمله في مركب وعبر به إلى المعسكر . فلما أحس أصحابه بوصوله استقبلوه . ولما رأوه ترجلوا وسجدوا بين يديه . فعلم رسول بغبور أنه هو الإسكندر